نصر حامد أبو زيد
107
الاتجاه العقلي في التفسير
تتبعنا مسلك النحاة ، لقلنا إن الضمير في « قال » يعود إلى أقرب اسم وهو « الآخر » . ويكون المعنى « قال الآخر لأقتلنك » وذلك دون حاجة لتقدير محذوف في الكلام . ويدخل في أسلوب التجاوز عند الفراء ، استخدام الضمائر العاقلة لغير العاقل من الحيوان والجماد ، وهي ما أطلقنا عليه ظاهرة « التشخيص » ولا تختلف وقفة الفراء عند هذه الظاهرة عن وقفة أبي عبيدة إلّا في التناول التفصيلي حيث اكتفى أبو عبيدة بالإشارة المجملة . يقول الفراء في قوله تعالى رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ « فإن هذه النون والواو إنما تكونان في جمع ذكران الجن والانس وما أشبههم . فيقال : الناس ساجدون ، والملائكة ساجدون . فإذا عدوت هذا صار المؤنث والمذكر إلى التأنيث فيقال الكباش قد ذبحن وذبحت ومذبحات . ولا يجوز مذبحون . وإنما جاز في الشمس والقمر والكواكب بالنون والياء لأنهم وصفوا بأفاعيل الآدميين ، ألا ترى أن السجود والركوع لا يكونان إلّا من الآدميين فأخرج فعلهم على فعال الآدميين ، ومثله وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا فكأنهم خاطبوا رجالا إذ كلمتهم وكلموها . وكذلك يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ فما أتاك موافقا لفعل الآدميين من غيرهم أجريته على هذا » 49 ويمكن لنا أن نستنتج من هذا النص أن المبرر الذي يسمح لنا باستخدام ضمائر العقلاء لغير العقلاء هو التشبيه بين أفعال النوعين ، بمعنى أننا إذا اسندنا لغير العاقل فعل العاقل كالكلام للجلود والسجود للكواكب والحديث للنمل ، جاز لنا استخدام ضمائر العقلاء . غير أن اسناد أفعال العقلاء إلى الجماد يعدّ - من جانب آخر - تجاوزا في الاسناد . وهذا أمر يكشف عنه الفراء حين يتوقف أمام قوله تعالى يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ حيث يقول : « يقال : كيف يريد الجدار أن ينقض ؟ وذلك من كلام العرب أن يقولوا : الجدار يريد أن يسقط . ومثله قول اللّه وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ والغضب لا يسكت إنما يسكت صاحبه وإنما معناه : سكن ، وقوله : فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ وإنما يعزم أهله وقد قال الشاعر : إن دهرا يلف شملي بحمل * لزمان يهم بالاحسان وقال الآخر : شكا إلي جملي طول السرى * صبرا جميع فكلانا مبتلى والجمل لم يشك ، وإنما تكلم به على أنه لو نطق لقال ذلك . وكذلك قول عنترة : فازورّ من وقع القنا بلبانه * وشكا إلي بعبرة وتحمحم » 50